محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في أرض الله ، وسعيك فيها بما حرم الله عليك من معاصيه ، وإهلاكك حروث المسلمين ونسلهم ؛ استكبر ودخلته عزة وحمية بما حرم الله عليه ، وتمادى في غيه وضلاله . قال الله جل ثناؤه : فكفاه عقوبة من غيه وضلاله صلي نار جهنم ولبئس المهاد لصاليها . واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، فقال بعضهم : عنى بها كل فاسق ومنافق . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، قال : ثنا بسطام بن مسلم ، قال : ثنا أبو رجاء العطاردي ، قال : سمعت عليا في هذه الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال علي : اقتتلا ورب الكعبة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ إلى قوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السبحة وفرغ دخل مربدا له ، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن ، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة ، قال : فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه ، فإذا كانت القائلة انصرف . قال فمروا بهذه الآية : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال ابن زيد : وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله . فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه : اقتتل الرجلان . فسمع عمر ما قال ، فقال : وأي شيء قلت ؟ قال : لا شيء يا أمير المؤمنين . قال : ماذا قلت ؟ اقتتل الرجلان ؟ قال فلما رأى ذلك ابن عباس قال : أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإِثم ، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله ، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإِثم ، قال هذا : وأنا أشتري نفسي فقاتله ، فاقتتل الرجلان . فقال عمر : لله بلادك يا بن عباس . وقال آخرون : بل عنى به الأَخنس بن شريق ، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى . وأما قوله : وَلَبِئْسَ الْمِهادُ فإنه يعني . ولبئس الفراش والوطاء : جهنم التي أوعد بها جل ثناؤه هذا المنافق ، ووطأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرده على ربه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ يعني جل ثناؤه : ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله المجاهدين في سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ وقد دللنا على أن معنى شرى باع في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . وأما قوله : ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فإنه يعني أن هذا الشاري يشرى إذا اشترى طلب مرضاة الله . ونصب " ابتغاء " بقوله " يشري " ، فكأنه قال . ومن الناس من يشري من أجل ابتغاء مرضاة الله ، ثم ترك " من أجل " وعمل فيه الفعل . وقد زعم بعض أهل العربية أنه نصب ذلك على الفعل على يشرى كأنه قال : لابتغاء مرضاة الله ، فلما نزع اللام عمل الفعل . قال : ومثله : حَذَرَ الْمَوْتِ وقال الشاعر وهو حاتم : وأغفر عوراء الكريم ادخاره * وأعرض عن قول اللئيم تكرما وقال : لما أذهب اللام أعمل فيه الفعل . وقال بعضهم : أيما مصدر وضع موضع الشرط وموضع " أن " فتحسن فيها الباء واللام ، فتقول : أتيتك من خوف الشر ، ولخوف الشر ، وبأن خفت الشر ؛ فالصفة غير معلومة ، فحذفت وأقيم المصدر مقامها . قال : ولو كانت الصفة حرفا واحدا بعينه لم يجز حذفها كما غير جائز لمن قال : فعلت هذا لك ولفلان ، أن يسقط اللام . ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها ، فقال بعضهم : نزلت في المهاجرين والأَنصار ، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قال : المهاجرون والأَنصار . وقال بعضهم : نزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قال : نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري جندب بن السكن ؛ أخذ أهل أبي ذر أبا ذر ، فانفلت منهم ، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع مهاجرا عرضوا له ، وكانوا بمر الظهران ، فانفلت أيضا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام . وأما صهيب فأخذه أهله صهيب ، فافتدى منهم بماله ، ثم خرج مهاجرا فأدركه منقذ بن عمير بن جدعان ، فخرج له مما بقي من ماله ، وخلى سبيله . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن